هل الصوم عن الطعام والشراب فقط؟
لا، وقد جاء البيان في ذلك شديدًا. فمن صام عن الطعام وهو مستمر في الكذب والسباب وسوء الخلق فليس لله — كما قال النبي ﷺ — حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. فالإمساك عن الطعام وسيلة، والمقصود تدريب اللسان وضبط الغضب.
المذاهب الأربعة متفقة على هذا.
من اليسير أن يُختصر رمضان في جدول: متى يمسك ومتى يفطر، ويُجعل ما سوى ذلك أجواءً. وقد سدّ النص هذا الباب صراحة:
«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (صحيح البخاري ١٩٠٣).
وهذه عبارة شديدة. وليس فيها أن هذا الصوم باطل — فاليوم يُجزئ ولا يُقضى — لكن فيها أن مقصوده قد فات بالكلية.
ومعنى ذلك عملًا في الشهر:
- أن الكذب والغيبة والشتم والخصام أعظم في الصوم لا أهون.
- وأن من استفزك فالمأمور به الانصراف لا المقابلة، والمشهور أن يقول: إني صائم، ويقف عند ذلك.
- وأن الغضب هو موضع الزلل الغالب. فنقص السكر يضيّق الصدر، ويصير قول «أنا صائم» عذرًا للحدّة، وإنما هو سبب للحلم.
- وأن الجود ينبغي أن يزيد، لا في المال وحده، بل في الإصغاء، وإطعام الطعام، والصبر على أهل البيت.
ومعيار نافع في آخر الشهر: ليس كم يومًا أتممت — فأكثر الناس يتمّونها — بل هل وجدك أهلُك أهون عِشرةً أم أشق. فهذا أقرب إلى ما كان الصوم يقيسه.
وليس في هذا كله ما يُبطل قيمة صوم ناقص. فمن غضب في اليوم التاسع لم يضيّع الشهر، وإنما وجد ما كان الشهر يشير إليه.
- الحديثSahih al-Bukhari 1903