اتفق العلماء

هل يلزمني أن أسامح من ظلمني حقًّا؟

لك أن تنتصف؛ فالمقابلة بالمثل مأذون فيها صراحة، ولست مكلفًا أن تتظاهر بأن الظلم لم يقع. غير أن العفو جُعل فوق ذلك، وأُوكل أجره إلى الله ولم يُقدَّر. فالشرع يجعل العفو أعلى المنزلتين، ولا يجعل طالب حقه مسيئًا.

المذاهب الأربعة متفقة على هذا.

الجواب المفصّل

جاء هذا الباب بميزان أدقّ مما يُتوقع؛ إذ لم يُلزم بالعفو، ومع ذلك بيّن أيّ الطريقين أعلى.

«وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ» (القرآن ٤٢:٤٠)

وتأمل بناء الآية: أذنت بالمقابلة بالمثل لا بأزيد منه، وفي ذلك سدّ لباب التصعيد. ثم صنعت أمرًا لافتًا: أثنت على العفو والإصلاح، ولم تسمّ الأجر، بل قالت إن أجره على الله. وهذا أسلوب يُستعمل فيما لا يُقدَّر قدره.

فعلى ذلك:

  • لك أن تطلب حقك: أن تبلّغ عن جناية، وتسترد دينًا، وتقطع صلة بمن آذاك؛ ليس شيء من ذلك نقصًا في الخلق.
  • وليس لك أن تتجاوز ما فُعل بك؛ فهذا حدّ منصوص.
  • والعفو أفضل، وقد تكرر الحضّ عليه.
  • والعفو ليس تظاهرًا ولا عودةً للثقة ولا تمكينًا لمن يُخشى ضرره. فالعفو وحفظ الحدود يجتمعان، والشرع لا يكلفك أن تكون هدفًا.

وثمّ آية في أشقّ صور العفو: رجل حلف ألا يصل قريبًا خاض في عِرض أهله: «وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (القرآن ٢٤:٢٢)

وليست الحجة فيها أن الذنب صغير، بل أنك تحب أن يغفر الله لك، فدعاك أن تعامل بما ترجو أن تُعامَل به.

وفائدة عملية: يخلط كثيرون بين العفو والشعور، فيظن أنه أخفق لبقاء الألم. والعفو ههنا إسقاطٌ لحقك بقرار، لا زوالٌ للوجع. والشعور يتأخر عن القرار كثيرًا، وربما لم يتم أبدًا، وليس في ذلك نقض للقرار.

ما يستند إليه