لماذا كانت المذاهب أربعة، وهل يلزمني أن أختار واحدًا؟
لأن النصوص قد تحتمل أكثر من فهم معتبر، فوضعت أربع مدارس مناهج منضبطة في التعامل مع ذلك. وهي متفقة في الأكثر الغالب، مختلفة في التفاصيل. ولا يلزمك انتساب رسمي — وأكثر المسلمين لم ينتسبوا — غير أن اتباع مذهب واحد في العمل يعصمك من أن تركّب لنفسك قولًا من أيسر ما أعجبك في كل مسألة.
المذاهب الأربعة متفقة على هذا.
يشتبه هذا على المبتدئ اشتباهًا شديدًا، وسببه غالبًا أنه يلقاه أول مرة بصيغة «المسلمون لا يتفقون حتى على كذا»، وهذا فهم خاطئ.
والمذاهب — الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي — منسوبة إلى أربعة من علماء القرون الأولى. وليست فرقًا ولا طوائف. بل يقرّ بعضها بعضًا، ويصلي أهلها في مساجد بعضهم، ويتناكحون من غير نكير.
ولِمَ وُجدت؟ لأن الوحي لم ينصّ على كل مسألة، وحيث لزم الاجتهاد أمكن لأهل الصدق بمناهج دقيقة أن ينتهوا إلى أقوال مختلفة. وحقيقة كل مذهب أنه منهج: قواعد منضبطة في ترجيح الأدلة، وفي حكم الخبر الضعيف، وفيما يُصنع عند تعارض النصوص. وأقوالها المختلفة فرع عن مناهجها لا عن الهوى.
والأمر بردّ التنازع إلى الأصول لا إلى الاستحسان صريح: «يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» (القرآن ٤:٥٩)
وكذلك سؤال أهل العلم: «وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (القرآن ٢١:٧)
وحاصله لك:
- أن ما اتفقت عليه — وهو الأكثر الغالب، ومنه أركان الإسلام كلها — لا اختيار فيه.
- وأن ما اختلفت فيه، فالوصية المتوارثة اتباع مذهب واحد باطراد. وأما تتبع الأيسر من كل مذهب في كل مسألة فيُخرج قولًا لم يقل به عالم قط.
- وأن أكثر الناس عملًا يتبعون مذهب من حولهم من المساجد والعلماء، وهكذا جرى الأمر دائمًا.
- وأن الانتقال من مذهب إلى مذهب جائز لا غرابة فيه.
والخلاصة الصادقة: أن اختلاف المذاهب ليس نقصًا في العلم، بل هو صورة الأمانة العلمية حين يُنزَّل النص على وقائع لم يسمّها. ولهذا كان في هذا التطبيق باب «اختلف الفقهاء»؛ فعرض الخلاف أصدق من اختيار قول وتسميته *الجواب*.
- القرآنالقرآن 4:59
- القرآنالقرآن 21:7