اتفق العلماء

إذا كان الدجال إنما يخرج في آخر الزمان، فلمَ أنذره كل نبي؟

لأن الإنذار متعلق بجنس الفتنة لا بوقتها فحسب. فكل نبي أنذر قومه، والعلة المذكورة عِظَم البلاء؛ فقد وُصفت بأنها أعظم فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة. وإنذارٌ يشترك فيه الأنبياء جميعًا بأمر لا يدركه أحد منهم هو نفسه ميزان خطره.

المذاهب الأربعة متفقة على هذا.

الجواب المفصّل

والإيراد في السؤال وجيه: فلمَ ينذر نوح عليه السلام من رجل يخرج بعد قومه بألوف السنين؟

وأصل ذلك ثابت: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» (صحيح مسلم ٢٩٣٣).

وفي عموم هذا الإنذار معانٍ:

أنه ميزان للخطر. فليس ثمة أمر أنذر منه الأنبياء كلهم غيره. فتكرارهم له هو الخبر نفسه؛ إذ وُصفت بأنها أشد فتنة تمر بالخلق، وهذا المعنى لا تؤديه إشارة واحدة.

وأنه تحصين لكل جيل لا لآخرهم. فالمعنى الذي يمثله الدجال — رجل ذو شبهة يدّعي الربوبية، تُجرى على يديه خوارق، ويطالب الناس بالتصديق — ليس مقصورًا على خروجه في آخر الزمان. وقد ابتُليت كل أمة بصور صغرى منه، ومن أُنذر أعظم الزيف كان أقدر على معرفة ما دونه.

وأنه يقرر المحكّ سلفًا. والزيادة المذكورة آنفًا هي الطريقة كلها: أنه أعور وأن ربك ليس بأعور. فالمقصود أن هذه الفتنة تُدفع بعلم سابق بالله، لا بمغالبة الدجال في الحجاج عند لقائه. وهذا علم يحتاجه كل جيل، تقدّم خروجه أو تأخر.

وأن وقتها مجهول. فلمّا كان علم الساعة عند الله وحده لزم كل جيل أن يجعلها ممكنة في زمانه. ولو خُصّ بالإنذار الجيل الأخير لفات كل من سأل قبله.

وليس في هذا إذن بالتكلّف في تنزيله على الحوادث وتعيين أشخاص بأعيانهم، فليس ذلك من هدي السلف، ومن جرّبه لم يصب قط.

ما يستند إليه