أنا أخفق مرارًا، فهل يعني ذلك أني لم أكن صادقًا قط؟
لا. فتكرر الوقوع مع تكرر الرجوع وصفه القرآن من صفة المتقين لا حجة عليهم؛ إذ ذكر في سياق الثناء عليهم من فعل فاحشة أو ظلم نفسه ثم ذكر الله فاستغفر لذنبه. والمشكل ليس السقوط، بل أن تقرر بسببه أن تكفّ عن القيام.
الجواب الصادق متعلق بحالك. وما يتعلق به مذكور أدناه.
هذا أكثر ما يجعل الناس يتركون العمل في صمت، وحقُّه جواب صريح، لأن المقدمة التي بُني عليها باطلة.
والمقدمة أن الصادق كان قد أقلع، فتكرار الإخفاق دليل على أن الصدق لم يكن حقيقيًّا. والقرآن يصف النمط المعاكس على أنه المعتاد:
«وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (القرآن ٣:١٣٥)
وتأمل ما تصنعه الآية: هي في وسط سياق يصف الممدوحين، وقد ذُكر فيهم وقوع الذنب. لا استثناءً ولا تحذيرًا، بل جزءًا من الوصف. فالفارق ليس أنهم لم يقعوا، بل ما صنعوه بعد الوقوع.
وأمور تعين:
- افصل الذنب عن الهوية. فقولك: فعلت خطأ، أمر يُصلَح. وأما: أنا من صنف من يفعل هذا، فلا يُصلَح، وليس مما يكلفك الإسلام أن تقوله عن نفسك.
- ولا تراكم الإخفاق. فالمعتاد أن تصير الزلة أسبوعًا ضائعًا، لأن صاحبها يظن أن اليوم قد فسد. والأعمال تُحسب أفرادًا، وليس ثمّ يوم فاسد.
- وأقم الصلاة ولو شعرت أنك منافق بإقامتها. فالصلاة ليست إعلانًا بأنك على خير، بل هي إلى العكس أقرب.
- وصغّر حجم الالتزام. فالمداومة على القليل أحبّ من اجتهاد ينقطع.
- وغيّر الأحوال لا النية وحدها. فأكثر الإخفاق المتكرر له موضع: وقت، أو تطبيق، أو رفقة. والتدبير في ذلك أنفع من العزم المجرد.
والأصل الحاكم: «لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ» (القرآن ٢:٢٨٦)
والذي تنفيه الآية أن تكون كُلّفت ما لا تطيق. فإن بدا الأمر مستحيلًا فالذي يُنظر فيه الطريقة أو التدرج أو ما علّقته على نفسك من توقع، لا قدرتك على أن تكون مسلمًا.
فإن كان الذي تصفه إلى القنوط الملازم أقرب منه إلى ذنوب بعينها، فذاك أمر يُؤخذ بجدّه ويُتكلم فيه مع من يعين.
- القرآنالقرآن 3:135
- القرآنالقرآن 2:286